أبو الليث السمرقندي

118

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) قوله عز وجل : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أي : وصف لهم شبها أَصْحابَ الْقَرْيَةِ أهل القرية وهي أنطاكية إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ يعني : رسل عيسى - عليه السلام - إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ قال مقاتل : هما تومان وطالوس فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ يعني : قويناهما بثالث وهو شمعون وقرأ عاصم في رواية أبي بكر فَعَزَّزْنا بالتخفيف ، ومعناهما : غلبنا . نقول : عزه يعزه إذا غلبه ، ومنه قوله تعالى : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ ص : 23 ] يعني : غلبني في القول . وقرأ الباقون : فَعَزَّزْنا بالتشديد ، ومعناه : قوينا ، وشددنا الرسالة برسول ثالث ، وذلك أن عيسى ابن مريم - عليهما السلام - رسول إلى أنطاكية . وإنما كان إرساله بإذن اللّه عز وجل . فأضاف إليه حيث قال : إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ثم بعث بعد ذلك شمعون . وروي في بعض الروايات أن عيسى - عليه السلام - أوصى إلى الحواريين أن يتفرقوا في البلدان . ثم رفع عيسى إلى السماء ، وكان مجيء الرسل بعد ما رفع عيسى . وفي بعض الروايات : أنه أرسل الرسل ، ثم رفع ، وكان للرسل من المعجزة ما للأنبياء - عليهم السلام - بدعاء عيسى - عليه السلام - فلما جاء الرسولان الأولان ، ودخلا أنطاكية ، وجعلا يناديان فيها بالإيمان بالرحمن ، يعني : يدعوان إلى الإيمان باللّه عز وجل ، ويزجران أهلها عن عبادة الأصنام والشيطان ، فأخذوهما شرط الملك ، وأتوا بهما إلى الملك ، فلما دخلا على الملك ، قالا : إن الأوثان التي تعبدون ليست بشيء ، وإن إلهكم اللّه الذي في السماء ، وأن من مات منكم صار إلى النار . فغضب الملك ، وجلدهما ، وسجنهما ، ثم حضر شمعون ودخل أنطاكية ، وجاء إلى السجن فقال للسجان : ائذن لي حتى أدخل السجن ، فإني أريد أن أدفع إلى كل واحد كسرة خبز ، فأذن له . فدخل وجعل يعطي لكل واحد كسرة خبز ، حتى انتهى إلى صاحبيه ، فقال لهما : إني أريد أن آتي الملك ، وأطلب فكاككما ، حتى أخلصكما ، فإنكما لم تأتيا الأمر من قبل وجهه . ألم تعلما أنكما لا تطاعان إلا بالرفق واللطف ، وأن مثلكما مثل امرأة لم تلد زمانا من دهرها ثم ولدت غلاما ، فأسرعت بشأنه ، فأطعمته الخبز قبل أوانه ، فغص بلقمة فمات . فكذلك دعوتكما هذا الملك قبل أوان الدعاء ، فأصابكما البلاء ، ثم انطلق شمعون ، وتركهما ، فقعد عند بيت الأصنام ، حتى إذا دخلوا بيت الأصنام ، دخل في صلاتهم ، فقام بين يدي تلك الأصنام يصلي ، ويتضرع ، ويسجد للّه تعالى ، ولا يشكون أنه على ملتهم ، وأنه إنما يدعو آلهتهم ، ففعل ذلك أياما ، فذكروا ذلك للملك ، فدعاه ، وكلمه ، وقال له : من أين أنت ؟ فقال : أنا رجل من بني إسرائيل ، وقد انقرض أهلي ، وكنت بقيتهم ، وجئت إلى أصحابك آنس بهم ، وأسكن إليكم ، فسأله الملك عن أشياء ، فوجده حسن التدبير ، والرأي فلبث فيهم ما شاء اللّه ، فلما رأى أمره قد